الآلوسي
155
تفسير الآلوسي
وهو لم يتصف بصفتهم ، وأن جواب الرسل المحكي بقوله تعالى : * ( قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فيهَا لنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ ) * تسليم لقوله عليه السلام في لوط مع ادعاء مزيد العلم به باعتبار الكيفية وأنهم ما كانوا غافلين عنه ، وجواب عنه بتخصيص الأهل بمن عداه وأهله على الاعتراض ، أو بيان وقت إهلاكهم بوقت لا يكون لوط وأهله بين ظهرانيهم على المعارضة ، وفيه ما يدل على جواز تأخير البيان عن الخطاب في الجملة ، والذي يغلب على الظن أنهم أرادوا بأهل القرية من نشأ بها على ما هو المتعارف فلا يكون لوط عليه السلام داخلاً في الأهل ، ويؤيد ذلك تأييداً ما قول قومه * ( أخرجوا آل لوط من قريتكم ) * ( النمل : 56 ) وفهم إبراهيم عليه السلام ما أرادواه وعلم أن لوطاً ليس من المهلكين إلا أنه خشي أن يكون هلاك قومه وهو بين ظهرانيهم في القرية فيوحشه ذلك ويفزعه . ولعله عليه السلام غلب على ظنه ذلك حيث لم يتعضروا لإخراجه من قرية المهلكين مع علمهم بقرابته منه ومزيد شفقته عليه فقال : * ( إن فيها لوطاً ) * على سبيل التحزن والتفجع كما في قوله تعالى : * ( إني وضعتها أنثى ) * وجل قصده إن لا يكون فيها حين الإهلاك فأخبروه أولاً بمزيد علمهم به وأفادوه ثانياً بما يسره ويسكن جأشه نظير ما في قوله تعالى : * ( والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ) * ( آل عمران : 36 ) وأكدوا الوعد بالتنيجة إما للإشارة إلى مزيد اعتنائهم بشأنه وإما لتنزيلهم إبراهيم عليه السلام منزلة من ينكر تنجيته لما شاهدوا منه في حقه ، وتحمل النجية على إخراجه من بين القوم وفصله عنهم وحفظه مما يصيبهم فإنها بهذا المعنى الفرد الأكمل ، ويلائم هذا ما قيل في قوله تعالى : * ( إلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابرينَ ) * أي من الباقين في القرية وهو أحد تفسيرين ، ثانيهما ما روى عن قتادة وهو تفسيره الغابرين بالباقين في العذاب فتأمل ، فكلام الله تعالى ذو وحوه ، وفسر الأهل هنا بأتباع لوط عليه السلام المؤمنين ، وجملة * ( كانت من الغابرين ) * مستأنفة وقد مر الكلام في ذلك وكذا في الاستثناء فارجع إليه . * ( وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرينَ ) * * ( وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا ) * المذكورون بعد مفارقتهم إبراهيم عليه السلام * ( لُوطاً سيءَ بهمْ ) * أي اعتراه المساءة والغم بسبب الرسل مخافة أن يتعرض لهم قومه بسوء كما هو عادتهم مع الغرباء ، وقد جاءوا إليه عليه السلام بصور حسنة إنسانية . وقيل : ضمير * ( بهم ) * للقوم أي سئ بقومه لما علم من عظيم البلاء النازل بهم ، وكذا ضمير * ( بهم ) * الآتي وليس بشيء ، و * ( أن ) * مزيدة لتأكيد الكلام التي زيدت فيه فتؤكد الفعلين واتصالهما المستفاد من لما حتى كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان فكأنه قيل : لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ريث . * ( وَضَاقَ بهمْ ذَرْعاً ) * أي وضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه أي طاقته كقولهم : ضاقت يده ، ويقابله رحب ذرعه بكذا إذا كان مطيقاً له قادراً عليه ، وذلك أن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع . * ( وَقَالُوا لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ ) * عطف على سئ ، وجوز أن يكون عطفاً على مقدر أي قالوا : إنا رسل ربك وقالوا الخ ، وأياً ما كان فالقول كان بعد أن شاهدوا فيه مخايل التضجر من جهتهم وعاينوا أنه عليه السلام قد عجز عن مدافعة قومه حتى آلت به الحال إلى أن قال : * ( لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ) * ( هود : 80 ) والخوف للمتوقع والحزن للواقع في الأكثر ، وعلهي فالمعنى لا تخف من تمكنهم منا ولا تحزن على قصدهم إيانا وعدم اكتراثهم بك ، ونهيهم عن الخوف من التمكن إن كان قبل إعلامهم إياه أنهم رسل الله تعالى فظاهر ، وإن كان بعد الإعلام فهو لتأنيسه وتأكيد ما أخبروه به .